ابن تيمية
124
المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
واستماع كلام المبتدع للرد عليه من جنس الجهاد ، وأما الخلوة بالمرأة الأجنبية فمحرم فهذا كله من جنس واحد ، وهو دخول الإنسان بنفسه من غير حاجة فيما يوجب عليه أمورا أو يحرم عليه أمورا ، لا سيما إن كانت تلك الأمور مما جرت العادة بترك واجبها وفعل محظورها ، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدجال : " فلا يزال ما يراه من الشبهات حتى يفتنه ذلك " . من هذا الباب ما يذكر عن طوائف من السلف من امتناعهم ومنعهم من استماع كلام المبتدعة خشية الفتنة عليهم ، وعلى غيرهم وأما من نهى عن ذلك للهجر أو للعقوبة على فعله فذلك نوع آخر إلى أن قال : فهذه الأمور العدل فيه ألا يطلب العبد أن يبتلى بها ، وإذا ابتلي بها فليتق الله وليصبر ، والاستعداد لها أن تصيبه من غير طلب الابتلاء بها ، فهذه المحن والفتن إذا لم يطلبها المرء ولم يتعرض لها بل ابتلي بها ابتداء أعانه الله تعالى عليها بحسب حال ذلك العبد عنده ؛ لأنه لم يكن منه في طلبها فعل ولا قصد حتى يكون ذلك ذنبا يعاقب عليه ، ولا كان منه كبر واختيال مثل دعوى قوة أو ظن كفاية بنفسه حتى يخذل بترك توكله ويوكل إلى نفسه ، فإن العبد يؤتى من ترك ما أمر به . وسواء كان مراده بها محرما ، أو مباحا ، أو مستحبا . وإرادته بها المحرم زيادة ذنب . وإن أراد بها المستحب فقد فعل ما لم يؤمر به ، وهذا مما يذم عليه ، كما في صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا ، " ما بعث الله من نبي إلا كان له من أمته حواريون وأنصار يستنون بسنته ويهتدون بهديه ، ثم إنه يخلف من بعده خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون " . والتعرض للفتنة هو من باب الذنوب فالمؤمن الصادق لا يفعل .